عبد الملك الجويني

355

نهاية المطلب في دراية المذهب

وذكر شيخي وجهاً غريباً في أن من حلق قبل الانتهاء إلى الحرم ، فله أن يفرّق اللحم حيث حلق ، واستدل بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم مع كعب بن عُجرة ، وكان حلقه في محلٍّ بعيدٍ عن مكة ، ودل ظاهر كلامه صلى الله عليه وسلم على التسليط على إراقة الدماء ، وتفرقة اللحم . وهذا بعيدٌ ؛ فإن ما ذكره رسول الله صلى الله عليه وسلم محمول على إعلامه كعباً ما يجب عليه بسبب الحلق ، فأما التعرض [ لتنجيز ] ( 1 ) الإراقة وتعجيل تفرقة اللحم ، فلم يتعرض له رسول الله صلى الله عليه وسلم . 2728 - وذكر صاحب التقريب وجهاً غريباً على نسق آخر ، فقال : كل ما أقدم عليه المحرم من موجبات الدم ، وكان مسوَّغاً له بعذرٍ ، أو غيره ، فله أن يريق الدم حيث شاء ، وكذلك يفرّق اللحنمَ . وكل سبب يحرُم الإقدام عليه ، فإذا فرض صَدَره ( 2 ) من المحرم ، فإراقة الدم الواجب ، وتفرقةُ اللحم يتقيدان بالحرم . وهذا نقله وزيفه . وليس من الرأي تشويش أصل المذهب بمثل هذا ، والوجه القطع بأن كل دم وجب على المحرم بسبب يسوغ : كالتمتع ، والقِران ، والحلق مع الأذى ، واللُّبس مع الحاجة . أو بسبب غير مسوغ كالمحظورات ، مع انتفاء الأعذار ، فتفرقة ( 3 ) اللحم في جميعها مقيدةٌ بالحرم . والمذهب تقيّد الإراقة به أيضاً ، وفيه الوجه البعيد . ثم لا فرق بين ما يقع في نفس الإحرام ، وبين ما يقع بعد التحللين ، أو بينهما ؛ فإن الرمي وإن وقع بعدَ ( 4 ) التحللين ، فهو من توابع الإحرام ، فالْتحق به ، وكذلك كل ما في معناه . وأما القول في الزمان ، فلا يتقيد شيء ( 5 ) من دماء الجبرانات بالزمان ، وجميع

--> ( 1 ) في الأصل ، ( ك ) : لتخيير ( 2 ) صَدَرُه : صدوره . وقد تكرر هذا مراراً . ( 3 ) ( ط ) : فانتفاء . ( 4 ) ( ط ) : بين . ( 5 ) ( ط ) : بشيء .